"ربيع الإعلام العربي" ... مولود طال انتظاره!!

  • مقالات
  • 310 قراءة
  • 0 تعليق
  • الأربعاء, 26 أبريل, 2017, 07:36

بقلم/ شمس شناعة
صحفي فلسطيني
أحكم المال قبضته الغليظة على وسائل الإعلام والوكالات العالمية الكبرى، وبات يتدخل حتى في تفاصيل العمل الإعلامي اليومي، ووصلت به الجرأة حد أن يصبح مضمون الخبر مرتبطًا بما يريده صانع القرار الحقيقي في عملية التحرير، وهو هنا مالك المؤسسة الإعلامية، في تجاوزٍ خطيرٍ لأهم صفةٍ يجب أن تلتصق بالمادة الصحفية، وهي المصداقية والموضوعية، فما عدنا قادرين والحال هكذا على استقاء الخبر الصحيح؛ بعد أن شهدت الحالة الإعلامية في السنوات العشر الأخيرة تدهورًا خطيرًا ناتجاً عن هذا التداخل غير الصحي بين المال وسياسات التحرير في المؤسسات الإعلامية.
تسبب التدهور الحاصل في الحالة الإعلامية عربيًا في عملية انزياحٍ كاملٍ للمسيرة الإعلامية عن أهدافها الحقيقية، فبعد أن كان الهدف توعية المواطن، وتثقيفه، ونقل وجهة نظر النخب السياسية والفكرية في مجريات الأمور في البلاد، والتفاعل بين المسؤول وجماعات الضغط من أجل الوصول إلى حالة نموذجية من الفعل الخلّاق الذي يستهدف تنمية المجتمع وتوظيف طاقاته في خدمة الأهداف الوطنية العليا، انساقت المؤسسات الإعلامية نحو نشر الأخبار غير الصحيحة، لخدمة أغراضٍ سياسيةٍ واضحة، وبمالٍ مشبوه، تقف خلفه أجندات قلما تتوافق مع المصالح العليا للمجتمع، وقلما تستهدف تحقيق الاستقرار والأمن والسلام الاجتماعي.
يتفق الجميع على أن هناك تطورات هائلة شهدتها الساحة الإعلامية، في العالم كله، لكن هذا التطور لم ينعكس في الأداء المهني للعاملين في مجال الصحافة والإعلام، فبدا التطور شكلياً، يتعلق بتطور وسائل الاتصال واتساع رقعتها، وهي أمر لم تعد الدكتاتوريات قادرة على مواجهته، إلا أن واقع الحريات وواقع المسؤولية الاجتماعية للإعلام آخذ بالتراجع، في ظل تدهورٍ واضح لعلاقة المواطن بالبرامج الحزبية، في ظل عدم اكتراثٍ غير مسبوق، وتدهور أكبر في منظومة الثقة التي كان الإعلام يتمتع بها لدى المواطن، بحيث بات تأثيره عدمياً في ظل حالة اللامصداقية التي يُنعت بها اليوم، وفي ظل تراجع أولويات المشاركة السياسية لصالح البحث عن لقمة العيش.
يدور الحديث هنا عن مواقف "تتصيّد" فيها الجهات المتصارعة بعضها البعض، من خلال رصد أخبارٍ عادية، يجري تسويقها للناس في سياق غير اعتيادي، بهدف الإساءة إلى الجهة المستهدفة، وفي هذا خلط واضح للحقائق، ومحاولة لَي عنق الحقيقة، والالتفاف على المهنية والحياد الصحفي التقليدي في الإعلام الرصين، فيقع الإعلام هنا في خطيئة رصد مواقف شخصية والإساءة للناس وعائلاتهم.
يُفترض أن يكون الإعلام مرآةٍ حقيقيةٍ لما يجري في المجتمع، بل ورافعة توعوية نحو ما ينبغي أن يكون عليه الحال، إلا أن الواقع يشهد انحدارًا خطيرًا في شكل ومضمون الخطاب الإعلامي، هذا التدهور لم تسلم منه حتى وكالات الأنباء الكبرى، التي باتت تخدم أجندات أنظمة وحكومات، ويتم في أروقتها شراء الذمم، دون أن تراعي هذه المؤسسات أنها وجدت أصلًا لحماية حق الجمهور في المعرفة، وهنا نتحدث عن المعرفة الحقيقية لا تلك المغالطات التي تسوقها هذه الوكالات، والتي تشوه بها الحقائق للناس لتحقيق مكاسب سياسية لصالح جهات معادية وتخريبية وليس لديها توجهات ايجابية نحو المجتمع أو نحو سلطاته الحاكمة.
تعد ظاهرة "الردح الإعلامي" إحدى أهم الظواهر التي شهدها الإعلام في السنوات الأخيرة، وهي سياسة تتبناها الكثير من وسائل الإعلام باعتبارها وسيلة يدافع عبرها الحزبيون عن مواقف أحزابهم السياسي أو اتجاهاتهم الفكرية، وتحمل في طياتها الكثير من الإساءات الشخصية التي تمس شخصياتٍ سياسيةٍ دون مراعاة ما ستعانيه العائلات نتيجة هذا الاندفاع الإعلامي الذي يحمل في طياته تجاوزًا خطيرًا لضوابط العمل الإعلامي المنوط به حماية وحفظ كرامة الناس أيًا كانت انتماءاتهم الأيديولوجية أو الفكرية.
يدفع المواطن العربي اليوم ثمن هذا التراشق الإعلامي، فبعد أن كان ينتظر المعلومة ليبني عليها موقفًا أو يقرر في مستقبله وحده، لم يعد يتلقى المعلومة الصحيحة، وفي ذات الوقت لم يسلم من حفظ أذنيه من سماع الشتائم التي تزيد المقهور قهرًا، فهل آن الأوان أن ينتفض الإعلام العربي على نفسه، وأن ينهض من سباته، وينتصر لذاته المهنية والموضوعية، هل يقترب "ربيع الإعلام العربي" الذي طال انتظاره أم تظل المنظومة الإعلامية تراوح مكانها في انتظار تمويلٍ جديدٍ يفتح شهية الطامعين إلى التربّح واختزال الوطن في جيوبهم، سؤال ينبغي ويتوجب على كل إعلامي عربي أن يجيب عليه سريعاً وقبل فوات الآوان.