صحافة مصر.. مواقع محجوبة وصحفيون بلا أقلام

  • مقالات
  • 136 قراءة
  • 0 تعليق
  • الخميس, 19 أبريل, 2018, 08:20

عبد الله حامد-القاهرة

كان عبد الرحمن علي يذرع شوارع القاهرة من طلوع الشمس لغروبها لاهثا وراء المؤتمرات الصحفية واللقاءات الحوارية، ثم يعود إلى قريته شمال القاهرة ليلا، وقد هدّه تعب من نوع خاص محبب إلى نفسه.

واشتهر عبد الرحمن وسط أهالي قريته بـ"الأستاذ الذي يتوسط عند المسؤولين لحل أزمة أو جلب منفعة للقرية".

اليوم أمسى كأي موظف يعود آخر النهار حاملا بطيخة تحت إبطه وصحيفة لا يكترث كثيرا بما فيها، فيستقبله أطفاله مهللين على باب البيت.

فقد انقلبت حياته بعد أن قررت السلطات حجب موقع "المصريون" الإخباري الذي كان يعمل فيه، فاستغنت الإدارة عن نصف المحررين توفيرا للنفقات.

وتحجب السلطات منذ نحو عام ما يزيد عن خمسمئة موقع صحفي، بحسب تقارير لجبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات في مصر.

حاول عبد الرحمن لأسابيع البحث عن فرصة بديلة في كل المواقع التي يمكن أن تتوافق مع مبادئه، فوجدها كلها تتعثر ماليا كموقعه الأصلي.

انصراف المعلنين
وتتعثر المواقع المحجوبة بانصراف المعلنين المحليين عنها، "فإعلاناتهم كانت تستهدف الزوار المحليين للموقع الذين تستهدفهم أيضا إعلانات غوغل والآن لا يصل المصريون لتلك المواقع، فلا جدوى إذن من الإعلان بها"، كما يوضح وليد عبد المنعم، وهو مسؤول تسويق بموقع "الاقتصادية".

اضطر عبد الرحمن للتنازل وقرر السعي لفرصة في مواقع إخبارية تابعة للنظام، إلا أن سيرته المهنية كصحفي انتقدت كتاباته الحكومة مرارا وقفت حائلا دون توظيفه، ليردد بين زملائه مثلا شعبيا "رضينا بالهم، ولم يرض الهم بنا".

استقر عبد الرحمن أخيرا في دار نشر مراجعا لغويا، يصل عمله في الثامنة صباحا ويجلس إلى الحاسوب لتدقيق النصوص، ثم يوقع بالانصراف في تمام الثالثة والنصف عصرا، فيقفز في حافلة شبرا الخيمة عائدا إلى منزله.

أخيرا، لم يعد أطفاله يفتقدون دفء أحضانه التي يرتمون بها حين يعود آخر النهار، وقد كان من قبل يذهب للعمل ولمّا يستيقظوا من النوم، ويعود ليلا وقد نام

يستطيع عبد الرحمن الآن النوم هادئا بلا خوف من "زوار الفجر" الذين اعتقلوه من قبل ضمن عشرات الصحفيين المعتقلين بسبب أعمالهم الصحفية، فعمله اليوم لم يعد مزعجا للنظام.

ويقبع بالسجون أكثر من مئة صحفي ومصور، بحسب جبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات، كان آخرهم رئيس تحرير موقع "مصر العربية" المحجوب، وتحل مصر الثانية بعد الصين في أعداد الصحفيين المعتقلين.

ورغم الاستقرار الظاهري لعبد الرحمن، فهو لا يزال يحنّ لتلك المسرات الصحفية اليومية من متعة الانفراد بأخبار هامة، وإثارة قضايا عامة، ولصدى عمله.

الصحفي سائق أوبر
في طريق الشوق نفسه، يغادر الصحفي هاني منزله بحي شبرا شمالي القاهرة كل صباح ليقود سيارته التي اشتراها بالتقسيط قبل عام إلى وجهة غير محددة، بانتظار أن يستدعيه زبون عبر تطبيق أوبر لسيارات الأجرة، وقد كان معتادا من قبل أن يذهب إلى مقر موقعه الإخباري المحجوب "مصر العربية".

لم يكن هناك من خيار آخر أمام هاني سوى العمل عبر تطبيق أوبر لتلبية متطلبات أسرته ودفع أقساط سيارته، وذلك عقب فشله في العثور على فرصة عمل بالصحافة بعد حجب ثم غلق ذلك الموقع الإخباري الذي عمل فيه لسنوات.

يعتبر هاني نفسه محظوظا بامتلاكه سيارة للعمل عليها، فزملاء له -غادروا الموقع الإخباري نفسه- لا يزالون يبحثون عن عمل بأي مجال.

يسمع هاني من رواد سيارته حكايات عجيبة تصلح قصصا إنسانية عظيمة، ولكن "أين يمكن نشرها والمواقع المحترمة كلها محجوبة، ولا مقابل لما يكتب؟".

يدير هاني مفتاح سيارته كل صباح وهو يدعو الله ألا يستدعيه زبون كان يتعامل معه من قبل مصدرا للأخبار، فهو يخشى ذلك اللقاء الذي كان من قبل يسعى إليه.

يَحذر هاني -وهو اسم مستعار- من أن يثبت أحد لنقابة الصحفيين عمله سائقا، إذ تحظر لوائح النقابة على الصحفي أن يعمل بمهنة أخرى.

ربما زاد دخل هاني قليلا عما كان يحصل عليه من عمله بالموقع، لكن "الروح تنزف مع كل ساعة تمضي دون عمل محبب مختار، استغرق عمرا".

ضحايا
تلك المعاناة من حجب المواقع خلفت ضحايا بالمئات بين الصحفيين، وفق مصدر بمجلس نقابة الصحفيين، ولكن لا يوجد إحصاء دقيق لهم. وتقترب التقديرات من 1500 صحفي -بعضهم غير مسجل بنقابة الصحفيين- بحسب مئات الشكاوى التي وصلت إلى النقابة من أولئك الصحفيين المشردين.

وائل أحد هؤلاء الصحفيين غير النقابيين الذين جرى تسريحهم، وهو يعتبر نفسه محظوظا بين مئات من زملائه الذين لا يزالون مشردين، فهو الآن يعمل.

وكان وائل قبل حجب موقعه الاقتصادي "البورصة" محررا لشؤون العقارات، مما سهل له -عند فصله بعد حجب موقعه- اتخاذ السمسرة العقارية نشاطا "يدر دخلا جيدا"، مقارنة بدخله السابق من الصحافة التي يشعر "بحنين جارف لها"، رغم أنها لم تمنحه استقرارا وظيفيا فلم يلتحق بعضوية نقابة الصحفيين حتى مغادرته المهنة.

في المقاهي والفنادق نفسها التي التقى فيها وائل رجال أعمال ومصادر صحفية، يلتقي اليوم رجال أعمال ولكن بصفته سمسارا وليس محررا، لا ليحصل منهم هذه المرة على أخبار وأسرار الأعمال، ولكن ليحصل منهم على عمولات.

بالطبع اختلفت نظرة الأشخاص الذين تعامل معهم "من قبل صحفيا واليوم سمسارا"، ويكشف وائل عن شعوره بالمرارة لأنه كان "ذا فائدة للجميع، واليوم لا يفيد إلا النفس بتنفيذ الصفقات".

تقول الأمثال "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق"، تعبيرا عن هوان الأولى بالمقارنة بالثانية، وهو مثل ربما لا يدرك مغزاه النظام المصري، الذي يمضي بسيف الحجب والملاحقات مهددا الأعناق والأرزاق معا.

المصدر : الجزيرة