إزالة الصورة من الطباعة

واقع تجربة ... عندما أطلق علي الإسرائيليون النار

عندما أطلق علي الإسرايليون النار

بينما كان الصحافي الفلسطيني محمد عثمان البالغ من العمر 25 سنة يحاول تصوير مشاهد من مظاهرة دموية تعرض لإطلاق نار أدى إلى إعاقته.

كتبه: أنيلا صافدار وأيمن بردويل (مركز الدوحة لحرية الاعلام – قطر)

تذكر محمد عثمان تفاصيل ما جرى فيقول "حدث ذلك في 15 مايو في الذكرى 63 للنكبة حيث كنت أغطي مظاهرة متجهة إلى نقطة تفتيش في معبر أريز لصالح وكالة الصحافة الفرنسية ووكالة إخبارية أخرى مقرها في لندن إذ أعمل مصورا مستقلا.

وقبل الحادثة كنت أتحدث إلى زوجتي في الساعة التاسعة صباحا فأخبرتني أنها حلمت بحرب غزة وأنني كنت حاضرا في ساحة المعركة فأصبت بجروح لكنني نجوت من الموت، ومن ثم توسلت إلي ألا أذهب لتغطية المظاهرة.  

كنت أحد أفراد الطاقم الصحفي الذي جاء لتغطية المظاهرة بصحبة زملاء من وكالات رويترز وأسوشيتيد برس وغيرهما من الشبكات الإعلامية الكبيرة مثل الجزيرة. في البداية استخدم الجنود الإسرائيليون مادة تطلق الكثير من الدخان لتفريق المتظاهرين، وبعدها بعشر دقائق قاموا برشق المتظاهرين بالخرسانة لتخويفهم وإصابتهم في حين رد المتظاهرون بالمثل. ونتيجة لذلك سقط الكثير من الجرحى وبات من الصعب علينا كصحفيين أن نقوم بعملنا".

كان الثمن الذي دفعه محمد عثمان مقابل الصورة الأخيرة التي التقطها هو فقدانه القدرة الحركة.

يستطرد محمد عثمان قائلا "كانت المظاهرة قد بدأت في الساعة 12:30 ظهرا فيما أصبت أنا عند الساعة 1:30 بعد الزوال. وقد تمكنت من التقاط الكثير من صور المصابين الذين ارتفع عددهم ليصل إلى 100 جريح وخصوصا عندما استخدم الجنود الإسرائيليون الذخيرة الحية مما زاد الوضع سوءا ودموية.

ويضيف محمد عثمان "كانت لدي كاميرتان مزودتان بعدسات مختلفة. إحداها كانت من نوع كانون مارك II مجهزة بعدسات تقريب بقوة 7400ملم. عندما حصلت على ما يكفي من الصور بدأت بحزم حقائبي غير أني أردت أن ألتقط صورة أخيرة...فشاهدت جنديا إسرائيليا من بعيد داخل البرج وكان قناصا. لم أكن أستطيع رؤيته بشكل جيد، فقط كنت أرى مقدمة البندقية الخارجة من المبنى.  حاولت أن ألتقط صورة فنية تجمع في نفس الإطار بين المتظاهرين وهم يرمون الحجارة والبندقية المصوبة باتجاههم.

كان البرج يبعد حوالي  300متر وكنت استخدم عدسة تقريب بقوة 400 متر. وعندما كنت على وشك أن أضغط على زر التصوير اكتشفت أن البندقية مصوبة نحوي. انطلقت رصاصة فأصابت معصمي الأيسر الذي كنت أستخدمه وقتها لتوجيه الكاميرا بالشكل المناسب. اخترقت الرصاصة صدري وانفجرت بداخلي.

ويتابع محمد عثمان "لاحقا أخبروني أنها انفجرت إلى 20 شظية. شعرت كأني أصبت بصعقة كهربائية قوية. وقد أدى الحادث إلى  كسر فقرتين في ظهري وتسبب في انزلاق غضروفي في العمود الفقري. وهذا ما يفسر المشكلة الكبيرة التي أواجهها الآن وعدم قدرتي على الحركة.  

سقطت مباشرة على الخرسانة... وفي طريق العودة بدا كل شيء وكأنه يتحرك بالعرض البطيء، كنت أفكر في زوجتي الحامل بطفلنا الأول. لم أكن أرى سوى ضوء قوي... وقد تركت الرصاصة ثقبا كبيرا في يدي تنزف منه الدماء. كنت أفكر طوال الطريق في معداتي واكتشفت أن الكاميرات الخاصة بي قد انكسرت من تأثير الطلقة.

سارع الصحافيون لإسعافي واستعانوا بقطعة قماش لربط يدي التي تنزف ومن ثم حملوني مسافة 400م لأقرب نقطة توجد فيها سيارة إسعاف وكانوا يصيحون "صحفيون، صحفيون". كنت أسمع أصواتهم لكني لم أكن قادرا على الكلام لأن رئتي مصابتان."

اعتقد الصحافيون أنني احتضر عندما شاهدوني مضرجا بدمائي فقاموا بتلقيني الشهادة. لم أكن أستطيع الحركة وبدأت أفقد الوعي بشكل تدريجي. وبعد مرور دقيقتين بدأوا يهتفون بأنني شهيد. وأفاد مراسل قناة الجزيرة العربية في نقل حي على الهواء بأنني قتلت .وبعد ساعتين تم تصحيح الخبر وإطلاع المشاهدين على حالتي الصحية الحرجة. 

لطالما توقعت أن يحدث أمر كهذا

ثم يعود محمد عثمان ليروي تفاصيل قصته "علمت في وقت لاحق أن الصحافيين تركوا المظاهرة بعد إصابتي بعد أن شعروا أنهم مستهدفين... كذلك فقد تعرض صحفي آخر لإصابة خفيفة خلال استهداف المظاهرة من طرف الجنود الإسرائيليين.

في المستشفى كان الصحافيون يتواجدون بأعداد كبيرة تضامنا معي وكانوا يشعرون بالصدمة نظرا للغموض الذي لف حالتي الصحية مما خلق جوا شديد التوتر.

 أقدر لزملائي تضامنهم وتعاطفهم معي وتنديدهم باستهدافي. لقد ناصرتني هيئات حقوقية كثيرة وأصدرت بيانات تندد بالعنف الذي تعرضت له. وقد رفض الجيش الإسرائيلي التعليق على ما حدث حينها مكتفيا بالقول إنه سيصدر بيانا في وقت لاحق وهو ما لم يحدث. وما مرد ذلك إلا لقناعته بأنه لن يستطيع تبرير ما حدث.

توقعت دائما أن يحدث أمر كهذا ليس لي أنا فقط ولكن لأي إنسان يعمل في هذا المجال. فالصحافيون عادة ما يتوقعون أنهم سيتعرضون للإصابة أو القتل. وأنا شخصيا سبق وأن شاهدت إطلاق النار على أحد الصحافيين ...فهذا هو واقع الحال في غزة.

تأكد الأطباء في غرفة الطوارئ أن العلاج الذي أحتاجه غير متوفر في المستشفى ، وكان أقرب مستشفى يستطيع معالجتي يوجد في إسرائيل غير أن نقلي إلى هناك كان صعبا نظرا للحرب الدائرة. وهكذا بدأوا في إجراء عملية جراحية لي استمرت حتى الساعة الرابعة صباحا تمكنوا خلالها من إخراج الشظية الأكبر من جسمي.

فقدت الوعي لمدة يومين. وبعد أن أفقت سمعت الدكتور يقول بأن إحدى الشظايا يمكن أن تسبب لي إعاقة فخارت قواي بشكل تام.

أحلام بالسير والعمل من جديد

كانت زوجتي التي تعمل صحفية بإحدى الصحف المحلية في مقر عملها عندما وقع الحادث... كانت تتابع الأخبار عندما علمت أن أحد الصحفيين أصيب بطلق ناري. انتابها شعور قوي ممزوج بالخوف بأنني أنا المصاب. حاول زملاؤها طمأنتها بأنه لا توجد أدلة على إصابتي، عندها قامت بالاتصال بهاتفي الجوال ولم يرد عليها أحد. وبعد ذلك ببعض الوقت انقطع الإرسال عن هاتفي تماما فاقترب منها أحد زملائي وسألها ما إذا كانت على علم بالحادث فأجابته بأنها لا تعلم. وقتها كذب زميلي عليها ليهدئ من روعها وقال لها إنني أصبت برصاصة مطاطية.

عندما وصلت زوجتي إلى المستشفى منعت من دخول غرفتي لكنها دخلت بالقوة وعندما رأتني أجهشت بالبكاء.

تم نقلي إلى أنقرة حيث تحسنت حالي، وأنا الآن أتلقى العلاج هنا لكنه غير كافي. وقد أخبرني الأطباء الأردنيون والأتراك أن أفضل علاج يمكن أن أحصل عليه يوجد في ألمانيا وأنه إذا لم أحصل على العلاج المناسب فيمكن أن تتدهور حالتي الصحية.

أشعر برغبة قوية في العودة إلى العمل لأسباب عدة من بينها مقابلة ابني "كريم" الذي لم أره إلا في الصور وكذلك رؤية زوجتي. وأرغب أيضا في أن أقوم بالأشياء التي أحب القيام بها.